فخر الدين الرازي

88

تفسير الرازي

لأن بتقدير : أن يرغبوا في مباهلته ، ثم لا ينزل العذاب ، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر ومعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان من أعقل الناس ، فلا يليق به أن يعمل عملاً يفضي إلى ظهور كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقاً بنزول العذاب عليهم وثانيهما : إن القوم لما تركوا مباهلته ، فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته ، وإلا لما أحجموا عن مباهلته . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنهم كانوا شاكين ، فتركوا مباهلته خوفاً من أن يكون صادقاً فينزل بهم ما ذكر من العذاب ؟ . قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول : أن القوم كانوا يبذلونه النفوس والأموال في المنازعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك الثاني : أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا : إنه والله هو النبي المبشر به في التوراة والإنجيل ، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ذلك تصريحاً منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى . السؤال الثالث : أليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد صلى الله عليه وسلم ؟ حيث قالوا * ( اللّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ) * ( الأنفال : 32 ) ثم إنه لم ينزل العذاب بهم البتة ، فكذا ههنا ، وأيضاً فبتقدير نزول العذاب ، كان ذلك مناقضاً لقوله * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) * ( الأنفال : 33 ) . والجواب : الخاص مقدم على العام ، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في هذه السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك . السؤال الرابع : قوله * ( إن هذا لهو القصص الحق ) * هل هو متصل بما قبله أم لا ؟ . والجواب : قال أبو مسلم : إنه متصل بما قبله ولا يجوز الوقف على قوله * ( الكاذبين ) * وتقدير الآية فنجعل لعنة الله على الكاذبين بأن هذا هو القصص الحق وعلى هذا التقدير كان حق * ( إن ) * أن تكون مفتوحة ، إلا أنها كسرت لدخول اللام في قوله * ( لهو ) * كما في قوله * ( إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) * ( العاديات : 11 ) وقال الباقون : الكلام تم عند قوله * ( على الكاذبين ) * وما بعده جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها والله أعلم .